الموقع الرسمي لديوان العاصمة عدن من نحن | هيئة التحرير | اتصل بنا | الجمعة 20 يناير 2017 01:17 صباحاً
ثقافة وأدب

قراءة : حول الجهاد وأدواته "

عبد الخالق الحود الثلاثاء 27 سبتمبر 2016 08:46 مساءً
" هل بتنا مرغمين على عبادة الله وطاعته عنوة أشبه بمن رُفِع فوقهم الطور "ليأخذوا ما أتاهم بقوة"؟ وأين ذهبت محبّة الله والإمتثال لأوامره رغبة لا رهبة، حبّاً لا خوفاً، من خطب الوعّاظ والدعاة والعلماء؟ لم لا نسمع ولا نُسمع الآخر من القرآن والأحاديث إلّا آيات التهديد والوعيد والزجر والعذاب.."" ؟؟
 
 
عقب كلّ عملية انتحارية ينفّذها عشريني بهمّة وإصرار عجيبَين، تتبادر الى ذهني أسئلة عديدة تتمحور جميعها حول مكمن الخطأ وموضع الداء، وعلى من تقع مسؤولية ما صرنا إليه تحديداً؟ بالتأكيد، هناك خلل كبير وهوّة تتّسع، أخشى أن تبتلعنا جميعاً قبل أن نفيق على واقع تقول معطياته إنّنا جميعاً شركاء، وإن بدرجات متفاوتة، في صناعة التطرّف والغلوّ.
أتساءل كثيراً، هل نحن نقدّم الإسلام اليوم بصورة مغلوطة نابعة من شعورنا بالهزيمة وسوء واقع الحال، باستنهاض أمجاد التاريخ لرجال ما استطعنا أن نكون صورة مطابقة لهم؟
هل نقلنا لبطولات وانتصارات وفتوحات قرون صدر الإسلام الأولى، مع تغيّر دراماتيكية الزمان والمكان وماهية الخصم والتحوّل الجذري لمفهومَي الإيمان والإمتثال لله، صحيح؟
هل يستحقّ فعلاً من نصفهم اليوم بـ"الكفّار" من اليهود والنصارى ذات المصير الذي واجه به أجدادنا امبراطوريّاتهم "الكافرة"، آنذاك، بذات الطريقة والأدوات؟
الإستعداء المطلق لكلّ ما هو غربي، هل هو قيمة إسلامية أصيلة ينطبق، أيضاً، على أشخاص، من أصول غربية، قضوا دهساً بالدبّابات الصهيونية، دفاعاً عن أرض فلسطين؛ وعلى الجدار البشري الذي شكّله مواطنون لندنيّون لحماية مسجد وسط المدينة؟ الخلط الهستيري والنظرة الواحدية للعدوّ الصائل، جندي المارنز في أرض العراق، وطبيبة ألمانية دلفت السبعين، أفنت 40 عاماً منها في أعالي جبال حجّة اليمنية، تتعاهد المحتاج والمريض، وتؤلّد المعسرات، وتضع كمّادات الماء البارد مرّات ومرّات على رؤوس الأطفال في غياهب ودياجير وظلمات الليل، من المسؤول عنه؟
هل بتنا مرغمين على عبادة الله وطاعته عنوة أشبه بمن رُفِع فوقهم الطور "ليأخذوا ما أتاهم بقوة"؟ وأين ذهبت محبّة الله وعبادته والإمتثال لأوامره رغبة لا رهبة، حبّاً لا خوفاً، من خطب الوعّاظ والدعاة والعلماء؟ لم لا نسمع ولا نُسمع الآخر من القرآن والأحاديث إلّا آيات التهديد والوعيد والزجر والعذاب، وهي قليلة مقارنة بآيات الرحمة والمحبّة والمغفرة والتسامح والخير والغفران والعفو والصفح والتجاوز وحسن الظنّ؟ من أوصلنا إلى أن تصبح علاقتنا بالله جبرية مطلقة، ومن وكّل فئة تدّعي تمثيل الله في الأرض قسر الناس على الإيمان؟
"فنّ" الجهاد
مناهجنا وإدارتنا لتقديم وتعليم الدين بحسب المخرجات لا شكّ أنّها غير سوية، وبحاجة إلى كثير من المراجعة والتدقيق، وإلّا لما تقاطر عشرات الآلاف من الإنغماسيّين من أصقاع الأرض إلى سوريا والعراق، للمشاركة في احتفالية برك الدم هناك هباء بهباء؟ لو أن الجهاد بالمفهوم التسطيحي الذي يريد البعض تصويره ونقله وتقديمه للشباب، اليوم، لكانوا هم إذاً أولى الناس بتطبيقه بالمفهوم السلفي العمومي، ومواجهة دبّابات وطائرات العدو بالسيف والرمح والنبال.
ألم ينجح الأمريكي أنور العولقي، باستخدام سلاح "جهاد الإنترنت"، بتجنيد المئات من الشباب، بينهم أمريكيّون وأوروبيّون؟ وهنا، يفرض السؤال نفسه، هل طريقة دعوة وإقناع الناس بالإسلام وسيلة أم غاية؟ وإذا كانت الأولى، فالمسارعة بإقناع الناخب الأمريكي عمليّاً بعدالة الإسلام أنجع وأجدى من تركه لسياسي يهمّه كثيراً توظيف الخوف لديه من عملية انتحارية، وفوبيا المسلم الشاب الملثّم الذي على خاصرته حزام يريد به الوصول إلى الجنّة عبر حصد أكبر كمّ من الرؤوس؛ هذه الصورة النمطية التي بات ذلك السياسي هو المستفيد الأكبر من تكرارها وتضخيم خطرها؟
عقب أحداث صحيفة "شارلي إيبدو" الباريسية بيوم واحد، نشرت صحيفة "ليبيرو" الإيطالية على غلافها الرئيس: "المسلمون الأوغاد"، كلمتين فقط. أين ذهبت محبّة الله وعبادته والإمتثال لأوامره رغبة لا رهبة من خطب الوعّاظ والدعاة والعلماء؟
إرهاب قانوني
أشارت دراسة مسحية أجرتها مجلّة "لانسيت" الطبّية البريطانية المرموقة إلى أن 655000 عراقي قتلوا منذ بداية الغزو الأمريكي في 19 مارس 2003، وحتّى 11 أكتوبر 2006؛ وقالت الأمم المتّحدة إن نحو 34000 عراقي قتلوا خلال عام 2006 فقط. بطبيعة الحال، في لعبة الأمم الحالية تُعدّ المجازر التي ترتكبها الدول الكبرى في العراق وسوريا بمبرّرات شتّى سبباً رئيساً في تغذية الصراع والعنف والإحتقان والتطرّف المقابل، عنفٌ يجري توظيفه والإستفادة منه من قبل قوى دولية وإقليمية ارتأت في رفع وتيرته وسيلة سهلة لتحقيق مآرب وأهداف سياسية.
لكن هل يبرّر ذلك الإنزلاق و تعميم وتوسيع دائرة الإستهداف، لتصل إلى من يُصنّف، بمفهوم الجماعات الجهادية، بالمناصر والموالي للطاغوت والعميل للغرب. تعميم تدخل دائرته شرائح كثيرة تعمل في إطار الدولة ككيان جمعي، لا مأمورة في حاشية السلطان.
تغيير الوسيلة
إن التقييم وترجيح المصالح والمفاسد أمر يجب أن يضعه القائمون على رأس الجماعات الجهادية، غير المفرّخة أو تلك التي تُدار من غرف الإستخبارات وقصور الولاة، باعتبار الغايات والتكليف الشرعي؛ فالله لم يأمر سيّد الخلق، صلّى الله عليه وسلّم، بهداية الناس جميعاً، وترك للبشر حرّية الإختيار بعد التبيان وإقامة الحجّة، وهو سبحانه المتكفّل بحفظ الإسلام وديمومته إلى يوم القيامة بصحيح الأحاديث.
وهنا، ينبغي طرح السؤال التالي: هل الأصل في الدعوة الإبلاغ؟ وهل طريقة الإيصال الأعمّ ينبغي اتّباعها شرعاً لتحقيقها المقاصد؟ فإن كانت الإجابة بنعم فالدعوة عبر وسائل التواصل الإجتماعي مقدّمة شرعاً على غيرها من الوسائل التقليدية.
تحكيم شرع الله
قال خالد عبد النبي، وهو أحد أبرز قادة تنظيم "القاعدة" في اليمن، في لقاء أجريته معه مطلع مارس 2011م، عقب سيطرة جماعته على بلدة جعار التابعة لمحافظة أبين، إن "المجاهدين لا يفرضون الإسلام على الناس عنوة، وهمّهم الأوّل إقامة شرع الله والحكم بما أنزل الله في أيّ مكان يقيمون فيه، ولا يعنيهم إمارة ولا يطلبون حكماً أو ولاية، فإن قام الحاكم بتطبيق شرع الله وفق منهاج النبوة، وأقام الحدود وطبّق العدل فهم له جنود وأعوان كان من كان". وإن أبى فهو، في نظرهم، "عاص ينبغي إعادته إلى جادّة الحقّ، وإرغامه على تطبيق شرع الله بأيّ وسيلة بينها الحرب، ومن يقف عوناً له فهو مثله، وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ {المائدة: الآية 51}". واستشهد بحروب الردّة التي قادها خليفة النبي محمّد، صلّى الله عليه وسلم، أبو بكر الصدّيق، رضي الله عنه، وأنّه قاتل بالسيف من امتنع عن أداء الزكاة من القبائل والبطون التي أعلنت الردّة عقب وفاة النبي، مع تسليم تلك القبائل بالإمتثال لكلّ أحكام الشرع والدين.
لست أهلا للردّ والتفنيد لما ساقه خالد، فلذلك رجاله، ولكنّني أريد أن أعقّب بمزيد من الأسئلة هنا، ومن بينها إسقاط القرار الذي اتّخذه الصدّيق، خليفة رسول الله، على واقع اليوم زماناً ومكاناً، مع الأخذ بعين الإعتبار مضارّ كثيرة كانت ستصيب الدعوة آنذاك بمقتل، حال تمّ تمرير الإمتناع عن الزكاة؛ وأن حرص الصدّيق على فرضها لم يك باعتبارها الذاتي، بقدر ما كان يعني منع نكوص وبداية انهيار شامل في بنيوية الدولة الإسلامية، بعد وفاة الرسول، صلّى الله عليه وسلّم.
فالأمر باعتقادي – والله أعلم – يُؤخذ بمآلاته ومدى الضرر والمفسدة المترتّبة على تطبيقه من عدمها، ومن هنا تبدأ المراجعة، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
عن موقع العربي " عبد الخالق الحود